واقعية السياسة الأميركية في الشرق الأوسط

2024.05.06 | 06:17 دمشق

2574
+A
حجم الخط
-A

لا تكف منطقة الشرق الأوسط عن التعبير عن أحقية الواقعية السياسية في العلاقات الدولية في التربع على عرش النظريات الأكثر تعبيرا عن واقع تفكير الكيانات السياسية من جماعات ودول.

اليوم، تستمر الولايات المتحدة الأميركية في "التكشير" عن أنيابها غير مكترثة بقيم الليبرالية. إن الولايات المتحدة التي احتلت الرقم الأول عالميا بفارق شاسع عن المنافسين وحافظت على مكانتها في وقت انهار فيه الاتحاد السوفياتي أكدت مرارا على أن سبب وجودها هو الدفاع عن حقوق الإنسان وترويج وتثبيت الديمقراطية، إلا أن هذه القيم التي عززتها الولايات المتحدة بالفعل في شعبها وأرستها لدى شريحة كبيرة من أبنائها لم تستطع أن تصمد أمام المصالح الجيوسياسية، والأولويات الأمنية، والعسكرية، والإمبريالية.

الدافع لتأجيل توقيع قانون مناهضة التطبيع مع الأسد - والذي يعتبر الأهم منذ قانون قيصر- هو واقعية الولايات المتحدة السياسية.

في نهاية الشهر المنصرم رفض الرئيس الأميركي جو بايدن إدراج مشروع قانون "مناهضة التطبيع مع الأسد" ضمن مجموعة التشريعات العاجلة التي وقع عليها الرئيس بايدن فأصبحت نافذة في فترة قياسية بعد أن جرى التصويت عليها في مجلس الشيوخ، في وقت أقرت فيه حزم تمويل كبيرة لكل من إسرائيل، أوكرانيا، وتايوان وصلت إلى 95 مليار دولار. إضافة، فإنه من غير المتوقع أن تقوم الإدارة الأميركية الحالية بإقرار قانون مناهضة التطبيع مع الأسد على الرغم من توقيع الرئيس بايدن، مع التشريعات العاجلة المذكورة، على مشروع قانون "مكافحة الكبتاغون- 2."

في هذا السياق، هلل البعض لإقرار قانون "مكافحة الكبتاغون –2" ولكن من المعروف أن أثره محدود وأنه مرتبط بالحرب على إيران وتجفيف منابعها المالية وغير مؤثر بشكل كبير على الأسد.

أما الدافع لتأجيل توقيع قانون مناهضة التطبيع مع الأسد - والذي يعتبر الأهم منذ قانون قيصر - هو واقعية الولايات المتحدة السياسية. فالمحدد الأول في سياق مصلحتها في الشرق الأوسط هو المصلحة الإسرائيلية وقد أظهر الأسد ليونة عالية جدا مع إسرائيل في هذه الحرب. في وقت سابق فهم الأسد مفتاح العلاقة مع إسرائيل أقله منذ أن سمح للروس بالدخول للجنوب السوري دفاعا عن إسرائيل في وجه إيران. لذلك سارع في هذه الحرب وبعد أن تقارب معه العرب لتقديم أوراق اعتماده للغرب عبر مغازلة الولايات المتحدة في بالطريقة الأمثل فأكد لها وللعرب بأنه يستطيع أن يضبط حدوده مع إسرائيل وبأنه قادر على الوقوف متفرجا دون تصريح حتى في وجهها، وهو ما يعتبره تأكيد عملي على قدرته على التمايز على إيران والمقاومة. تلقفت الولايات المتحدة الأمر فها هي اليوم ترد الرسالة بأختها عبر عدم إقرار قانون مناهضة التطبيع بشكل مستعجل وتفتح الباب على إطالة حكم الأسد وتثبيته.

وصل انعكاس سياسات الولايات المتحدة الواقعية في الشرق الأوسط إلى داخلها فالشباب الذي تأثر بالبيئة التي نشأ بها والتعليم الذي تعلمه وجد في الموضوع الإسرائيلي تناقضا صارخا بين وجه الولايات المتحدة وتنشئة المواطن الأميركي الذي يفترض أن يكون قيمياً إنسانياً في حين يتفاجأ بممارسات دولته البعيدة كل البعد عن أن تكون كذلك. عليه، خرجت مظاهرات حاشدة في جامعات الولايات المتحدة الأرقى.

إذا، إن المصلحة الأميركية فرضت نفسها اليوم - كما كل يوم - فغضت الولايات المتحدة الطرف عن تاريخ الأسد معها ومع قراراتها وتاريخه الشهير في ملف حقوق الإنسان والديمقراطية.

أما في غزة، أعلن الجيش الإسرائيلي بأن الولايات المتحدة مستمرة في بناء الميناء العائم في غزة وبأنه من المتوقع أن ينتهي في هذا الشهر. وتقدر كلفة هذا الميناء المؤقت 320 مليون دولار تحت شعار إيصال المساعدات لغزة. فهل يعقل أن تدفع الولايات المتحدة من ضرائب مواطنيها هذا المبلغ للأمور الإنسانية التي يمكن أن تقوم بها بألف طريقة أخرى؟ من غير المتوقع ذلك، ولكن الواقعية السياسية للولايات المتحدة هنا تفرض نفسها فهي وعبر هذا الميناء تعزز الضبط والتحكم في غزة الآن ومستقبلا، وتركز قدم مرنة في ساحل المتوسط في المرحلة المقبلة في مقابل منافسيها أو أعدائها من دول وجماعات متركزة على شاطئ المتوسط وعمقه. فعلى الرغم من حجم المجازر الهائل في غزة اليوم كما في سوريا اليوم والأمس آثرت الولايات المتحدة مصلحتها الجيوسياسية ومصلحة يدها الرئيسة في الشرق الأوسط، إسرائيل، على شعاراتها الليبرالية المؤسسة.

وصل انعكاس سياسات الولايات المتحدة الواقعية في الشرق الأوسط إلى داخلها فالشباب الذي تأثر بالبيئة التي نشأ بها والتعليم الذي تعلمه وجد في الموضوع الإسرائيلي تناقضا صارخا بين وجه الولايات المتحدة وتنشئة المواطن الأميركي الذي يفترض أن يكون قيمياً إنسانياً في حين يتفاجأ بممارسات دولته البعيدة كل البعد عن أن تكون كذلك. عليه، خرجت مظاهرات حاشدة في جامعات الولايات المتحدة الأرقى.

وصل الحال بالمتظاهرين المؤيدين لفلسطين بأن استولوا على مبنى دراسي في حرم جامعة كولومبيا، بعد أن نصبوا خيما وأقاموا فيها احتجاجيا لمدة أسبوعين داخل الجامعة. المطالبات الطلابية الجامعية تبدأ بوقف إطلاق النار في غزة ولا تنتهي بالمطالبة بإنهاء المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، وسحب استثمارات الجامعات من شركات توريد الأسلحة وغيرها من الشركات المستفيدة من الحرب. هذه المطالبات الشابة عالية السقف تأتي مع إدراك أصحابها بأن احتجاجاتهم من شأنها التأثير على مستقبلهم طيلة حياتهم نظرا للحملات التي تقوم بها المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة والتي تهدف إلى محاصرة الطلاب المعارضين لها. إن هؤلاء الطلاب المعارضين سيمنع عنهم التوظيف ناهيك عن ربطهم بقضايا تجرهم من محكمة إلى أخرى خاصة بعد مناهزة عدد المعتقلين من الجامعات الألفين بين طالب وكادر تعليمي.

هذا وجه السياسة والعلاقات الدولية الحقيقي والسائد في العالم وليست الشعارات سوى أغلفة جميلة لداخل متشابه وعلى أساسه يجب أن تبني الشعوب رؤاها وتحالفاتها دون الإفراط في التعويل على نيات هذه الدولة أو تلك مهما بلغت شعاراتها.