icon
التغطية الحية

جماعة "فرسان مالطا" التي حلّ قيادتها البابا فرنسيس.. تعرّف إليها

2022.09.08 | 10:09 دمشق

MALTA
رسم تعبيري لفرسان مالطا
إسطنبول - تلفزيون سوريا
+A
حجم الخط
-A

شهد مطلع شهر أيلول الحالي صدور قرار تاريخي من قبل البابا فرنسيس تمثّل بحلّ قيادة جماعة "فرسان مالطا" التي تأسست قبل نحو ألف عام في مدينة القدس الفلسطينية. فما أصل تلك الجماعة؟ ولماذا حلّ قيادتها بابا الفاتيكان ووضعها تحت إدارته مؤقتاً إلى حين انتخاب "راعٍ" أكبر جديد لها؟

قرار البابا لم يأت بين ليلة وضحاها، وإنما جاء بعد مناقشات وسجالات محتدمة طيلة خمس سنوات داخل نظام "فرسان مالطا" وبين بعض الأعضاء الكبار في حرس النظام القديم والفاتيكان حول "الدستور" الجديد الذي يخشى بعضهم أن يُضعف فرسان مالطا؛ ذلك النظام الديني الكاثوليكي العالمي والمنظمة الإغاثية الإنسانية أيضاً.

نبذة عن فرسان مالطا

تأسست جماعة فرسان مالطا في منتصف القرن الـ11 الميلادي بمدينة القدس (مملكة بيت المقدس)، وكان هدفها تقديم الرعاية الطبية لحجاج "الأرض المقدسة"، واسمها الرسمي "نظام السيادة العسكري لفرسان مستشفى القديس يوحنا الأورشليمي من رودِس ومالطا".

شكّلت الجماعة استمرارية لفرسان "الإسبتارية" والتي نشأت خلال العصور الوسطى، وتعود أصولها من خلال مستشفى فراتيرنيتاس هوسبيتالاريا (باللاتينية: Fraternitas Hospitalaria) الذي تأسس نحو عام 1048م من قِبل التجار المسيحيين في منطقة مورستان بالقدس لتوفير الرعاية الطبية للحجاج إلى الأراضي المقدسة.

وبعد استيلاء قوات الفرنجة (ضمن ما يطلق عليها الحملات الصليبلية) على القدس عام 1099 خلال الحملة الصليبية الأولى، وما تبعها من استرداد مملكة بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي في المرة الأولى (عام 1187م) ولاحقاً (عام 1244م على يد الملك الصالح أيوب، وهو التحرير النهائي للقدس من الصليبيين)، بقيت الجماعة باعتبارهم فرساناً عسكريين تحت اسم "حماية المسيحيين".

مفاصل تاريخية: "فرسان مالطا" عسكرياً واجتماعياً

في عام 1113م، اعترف البابا باسكال الثاني بسياديّة الفرسان. وبين عامي (1291-1310م) سيطر الفرسان على قبرص، ثم رودس بين (1310-1523)، ومالطا (1530-1798)، وحكموا جزيرة مالطا وتركوا العديد من البصمات والآثار المعماريّة والاجتماعية والسياسيّة فيها، حتى سقوطها على يد الاحتلال الفرنسي للجزيرة.

ففي طريق حملته على مصر عام 1798، سيطر نابليون بونابرت على جزيرة مالطا وطرد منها الفرسان، فتوجهوا إلى سانت بطرسبرغ الروسية حيث حظيت جماعتهم بحماية القيصر بولس الأول الذي أصبح السيد الأكبر أي رأس المنظمة حتى وفاته عام 1801.

ومنذ عام 1834 حتى اليوم، تحول مقر الجماعة الرئيسي إلى قصر مالطا في الفاتيكان. وتعد السيدة مريم العذراء هي "الراعية والشفيعة" للمنظمة بحسب قوانين وأعراف الفاتيكان.

الـ8 من أيلول وبدء العصر الذهبي لفرسان مالطا

في مثل هذا اليوم (الـ8 من أيلول عام 1565)، نجحت الجماعة بفك حصار العثمانيين عن جزيرة مالطا، التي منحت لهم بأمر من بابا الفاتيكان كليمنس السابع والإمبراطور شارل الخامس (شارلكان) ملك إسبانيا.

وكان الفرسان قد وصلوا إلى الجزيرة التي منحتهم اسمها عام 1530م، قادمين من جزيرة رودس التي استولوا عليها لنحو قرنين من الزمن، ثم خرجوا منها بعدما أن هزموا في معركة ضد جيش وأسطول السلطان العثماني سليمان القانوني.

وتحتفل جزيرة مالطا سنوياً في هذا اليوم بذكرى فكّ الحصار العثماني عنها على يد "فرسان القديس يوحنا" الأورشليمي قبل نحو 400 سنة. وأصبح تاريخ هذا اليوم يمثل ذروة العصر الذهبي للجماعة التي أسست دولتها وعاصمتها (فاليتا) على أرض تلك الجزيرة، وأنشأت فيها أسطولاً عسكرياً ضخماً لعب دوراً مهماً في البحر المتوسط لعقود طويلة.

قرار البابا فرنسيس.. أبعاده وانعكاساته

إذن، قرر البابا فرنسيس يوم السبت الفائت تغيير الشرعة الدستورية للجماعة، بعد نزاعات استمرت لنحو 5 سنوات بين قادتها، ومخاوف الأخيرين من إضعافها أو تطويق نشاطها وغير ذلك من المخاوف.

إلا أن موفد البابا الخاص إلى فرسان مالطا، الكاردينال سيلفانو توماسي، صرّح للصحفيين وإلى جانبه بعض أعضاء "الحكومة المؤقتة" التي ستدير الجماعة إلى حين انتخاب الراعي الجديد (وكان الإيطالي جياكومو دالا توري آخر راعٍ أكبر للجماعة، قد توفي في نيسان الماضي)، بأن "الدستور الجديد للنظام لن يضعف سيادته الدولية". وأضاف: "نأمل في أن يعيد ذلك الوحدة إلى النظام ويزيد قدرته على خدمة الفقراء والمرضى"، بحسب ما نقلت وكالة رويترز في الـ3 من هذا الشهر.

كما نقلت الوكالة أيضاً عن عضو الفريق الذي وضع الدستور الجديد الذي أقره البابا السبت الفائت، الكاردينال جيانفرانكو غيرلاندا، قوله إن "الجماعة باعتبارها نظاماً دينياً يتعين أن تظل تحت إشراف الفاتيكان".

واليوم، لا يوجد للنظام ملكية عقارية سوى القصر في الفاتيكان إضافة إلى بعض المكاتب في العاصمة الإيطالية روما، وحصن في جزيرة مالطا. إلا أن النظام معترف به باعتباره كياناً سيادياً له جوازات سفره وأرقام لوحات سياراته الخاصة.

كما أن قيادة الجماعة تأخذ هيكلية الحكومة، وتضمّ 13 عضواً بصفة وزراء، ويرأسها قائد يعرف بالسيد الأكبر أو "غراند ماستر". وتربط جماعة فرسان مالطا علاقات دبلوماسية (وجود سفارات) مع 110 دول، كما تتمتع بوضع "مراقب دائم" في الأمم المتحدة، ما يتيح لها العمل والنشاط في جهود الإغاثة الأممية في مناطق العمليات الحربية.

مالطا
شعار منظمة فرسان مالطا

يبلغ أعضاء الجماعة اليوم قرابة 13500 عضو، ويعمل معهم نحو 95 ألف متطوع و52 عاملاً في مختلف المجالات الطبية. تُرصد لها ميزانية ضخمة، وتدير مخيمات للاجئين ومراكز طبية في مختلف أنحاء العالم، بالإضافة إلى مراكز لعلاج الإدمان وبرامج إغاثية بما يخص الكوارث والنكبات. وتؤدي الجماعة في الآونة الأخيرة دوراً مهماً في مساعدة اللاجئين الأوكرانيين وضحايا الغزو الروسي لأوكرانيا.

ويصف بعض الكتّاب والمتابعين مقرّ "فرسان مالطا" في روما بأنه أصغر دولة في العالم، أو الدولة الوحيدة من دون شعب أو أرض، إلا أن ذلك ليس دقيقاً في الحقيقة. فعلى عكس الفاتيكان التي تعدّ الدولة الأصغر في قلب العاصمة الإيطالية، ولها مواطنون يحملون جنسيتها؛ فإن جميع أفراد فرسان مالطا يحملون جنسيات دولهم الأم، إلى جانب جواز السفر الخاص بالمنظمة.

ماذا تضمّن قرار البابا الجديد؟

اتصفت جماعة "فرسان مالطا" منذ تأسيسها واعتراف بابا الفاتيكان بها، بكونها مزيج بين جماعة دينية وعلمانية في آن معاً. فيوجد بين آلاف الأعضاء والمتطوعين عدد قليل من رجال الدين الذين يتبنون نذور الرهبانية المسيحية. وبموجب قرار الفاتيكان الجديد، منحت الغلبة للجناح الديني في الجماعة، على الجناح العلماني، بحسب "BBC"، مع ربط قادتها الدينيين مباشرة بالحبر الأعظم.

وكانت محكمة الكرادلة في الفاتيكان أصدرت قراراً عام 1953، يشير إلى أن امتيازات المنظمة لا تندرج ضمن "مجموعة الامتيازات والسلطات الخاصة بالدول ذات السيادة". واستناداً إلى ذلك، رأى البابا فرنسيس بأن المنظمة يجب أن تتبع سلطته، كون قادتها من رجال الدين.

وبحسب الدستور الجديد، لن يتولى السيد الأكبر منصبه مدى الحياة كما كان سائداً في السابق، بل سيتولاه لمدة 10 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، على أن يستقيل السيد الأكبر حين يبلغ الـ85 من العمر، وذلك على ضوء الانتخابات التي ستجري في كانون الثاني 2023. وفي السابق، كان يتوجب على قادة الفرسان أن يحملوا "جذوراً نبيلة"، إلا أن الدستور الجديد جعل الشرط ليس ضرورياً لتولي مناصب قيادية.